جلال الدين السيوطي
111
الأشباه والنظائر في النحو
« معناه : الذي يجلّه الموحّدون عن التشبيه بخلقه ، أو الذي يقال له : ما أجلّك وأكرمك » « 1 » . وقال أيضا : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [ الكهف : 26 ] أي : « جاء بما دلّ على التعجّب من إدراكه للمسموعات والمبصرات للدّلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين ، لأنّه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها ، كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما ، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر » « 2 » . وذكر أبو محمّد بن عليّ بن إسحاق الصّيمريّ في كتاب ( التّبصرة والتذكرة في النّحو ) : « وإذا قلت : « ما أعظم اللّه » فذلك الشيء عباده الذين يعظّمونه ويعبدونه ، ويجوز أن يكون ذلك الشيء هو ما يستدلّ به على عظمته من بدائع خلقه ، ويجوز أن يكون ذلك هو اللّه عزّ وجلّ فيكون لنفسه عظيما لا لشيء جعله عظيما ، ومثل هذا يستعمل في كلام العرب كما قال الشاعر « 3 » : [ الرجز ] نفس عصام سوّدت عصاما انتهى . وهو كالأنباري . وقال المتنبيّ : [ البسيط ] « 632 » - ما أقدر اللّه أن يخزي خليقته * ولا يصدّق قوما في الّذي زعموا قال الواحديّ في شرحه : يقول : « اللّه تعالى قادر على إخزاء خليقته بأن يملّك عليهم لئيما ساقطا من غير أن يصدّق الملاحدة الذين يقولون بقدم الدّهر . يشير إلى أنّ تأمير مثله إخزاء للنّاس ، واللّه تعالى قد فعل ذلك عقوبة لهم ، وليس كما تقول الملاحدة » ( 4 ) . وقال ابن الدّهّان في ( شرح الإيضاح ) : فإن قيل : فإذا قدّرت ( ما ) تقدير شيء فما تصنع ب « ما أعظم اللّه » فالجواب من وجوه : أحدها : أن يكون الشيء نفسه ، ويجوز أن يكون ما دلّ عليه من مخلوقاته . الثالث : من يعظّمه من عباده . الرابع : أن تكون الأفعال الجارية عليه بحملها على ما يجوز من صفاته تعالى فيحمل على أنّه عظيم في نفسه . وقال الزّمخشريّ في : ما هذا بَشَراً [ يوسف : 31 ] : « المعنى تنزيه اللّه تعالى من صفات العجز ، والتعجّب من قدرته على خلق جميل مثله . وأمّا
--> ( 1 ) انظر الكشّاف ( 4 / 46 ) . ( 2 ) انظر الكشاف ( 2 / 481 ) . ( 3 ) مرّ الشاهد رقم ( 629 ) . ( 632 ) - الشاهد في ديوانه ( ص 689 ، شرح الواحدي ) .